فخر الدين الرازي

238

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ربك في الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل ، أو يكون المراد : فاسلكي في طلب تلك الثمرات سبل ربك . أما قوله : ذُلُلًا ففيه قولان : الأول : أنه حال من السبل لأن اللّه تعالى ذللها لها ووطأها وسهلها ، كقوله : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا [ الملك : 15 ] . الثاني : أنه حال من الضمير في فَاسْلُكِي أي وأنت أيها النحل ذلل منقادة لما أمرت به غير ممتنعة . ثم قال تعالى : يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها وفيه بحثان : البحث الأول : أن هذا رجوع من الخطاب إلى الغيبة والسبب فيه أن المقصود من ذكر هذه الأحوال أن يحتج الإنسان المكلف به على قدرة اللّه تعالى وحكمته وحسن تدبيره لأحوال العالم العلوي والسفلي ، فكأنه تعالى لما خاطب النحل بما سبق ذكره خاطب الإنسان وقال : إنا ألهمنا هذا النحل لهذه العجائب ، لأجل أن يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه . البحث الثاني : أنه قد ذكرنا أن من الناس من يقول : العسل عبارة عن أجزاء طلية تحدث في الهواء وتقع على أطراف الأشجار وعلى الأوراق والأزهار ، فيلقطها الزنبور بفمه ، فإذا ذهبنا إلى هذا الوجه كان المراد من قوله : يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها أي من أفواهها ، وكل تجويف في داخل البدن فإنه يسمى بطنا ، ألا ترى أنهم يقولون : بطون الدماغ وعنوا أنها تجاويف الدماغ ، وكذا هاهنا يخرج من بطونها أي من أفواهها ، وأما على قول أهل الظاهر ، وهو أن النحلة تأكل الأوراق والثمرات ثم تقيء فذلك هو العسل فالكلام ظاهر . ثم قال تعالى : شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ اعلم أنه تعالى وصف العسل بهذه الصفات الثلاثة : فالصفة الأولى : كونه شرابا والأمر كذلك ، لأنه تارة يشرب وحده وتارة يتخذ منه الأشربة . والصفة الثانية : قوله : مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ والمعنى : أن منه أحمر وأبيض وأصفر . ونظيره قوله تعالى : وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ [ فاطر : 27 ] والمقصود منه : إبطال القول بالطبع ، لأن هذا الجسم مع كونه متساوي الطبيعة لما حدث على ألوان مختلفة ، دل ذلك على أن حدوث تلك الألوان بتدبير الفاعل المختار ، لا لأجل إيجاد الطبيعة . والصفة الثالثة : قوله : فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ وفيه قولان : القول الأول : وهو الصحيح أنه صفة للعسل . فإن قالوا : كيف يكون شفاء للناس وهو يضر بالصفراء ويهيج المرار ؟ قلنا : إنه تعالى لم يقل إنه شفاء لكل الناس ولكل داء وفي كل حال ، بل لما كان شفاء للبعض / ومن بعض الأدواء صلح بأن يوصف بأنه فيه شفاء ، والذي يدل على أنه شفاء في الجملة أنه قل معجون من المعاجين إلا وتمامه وكماله إنما يحصل بالعجن بالعسل ، وأيضا فالأشربة المتخذة منه في الأمراض البلغمية عظيمة النفع . والقول الثاني : وهو قول مجاهد أن المراد : أن القرآن شفاء للناس ، وعلى هذا التقدير فقصة تولد العسل من النحل تمت عند قوله : يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ ثم ابتدأ وقال : فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ أي في